عاصفة انتقادات لاتفاق التجارة الأمريكي الأوروبي.. هل ينجو من البرلمان؟

يواجه الاتفاق التجاري المبرم بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين عاصفة من الانتقادات داخل أروقة الاتحاد الأوروبي، ما يهدد بعرقلته من البرلمان الأوروبي.
فبين وعود بإلغاء الرسوم الجمركية على السلع الصناعية الأمريكية وتخفيض الضرائب على السيارات الأوروبية، تقف كتل برلمانية نافذة على أهبة الاستعداد لعرقلة الاتفاق، واصفة إياه بـ”غير المتوازن” و”الابتزاز الأمريكي المقنع”.
وبين حسابات إنقاذ صناعة السيارات الأوروبية وضمان دعم واشنطن لكييف، يقف البرلمان الأوروبي أمام اختبار مصيري قد يحدد مستقبل العلاقة التجارية عبر الأطلسي.
وقالت صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية إنه “يتعين على المفوضية الأوروبية أن تترجم التنازلات المقدمة للولايات المتحدة إلى نصوص رسمية”، موضحة أن عدة كتل برلمانية تهدد بالتصويت ضدها.
ورأت الصحيفة الفرنسية أن الاتفاق بين ترامب وأورسولا فون دير لاين ما زال صعب التسويق، موضحة أن المفوضية الأوروبية قد أطلقت يوم الخميس العملية التشريعية لإلغاء جميع الرسوم الجمركية على السلع الصناعية الأمريكية، وهو ما سيسمح – وفقا للاتفاق الموقع في 27 يوليو/تموز في تورنبري – بخفض الرسوم الجمركية المفروضة على السيارات الأوروبية من 27.5% إلى 15%. لكن هذه التنازلات لصالح المنتجات الأمريكية تثير الكثير من الانتقادات داخل أوروبا.
أما الاستفزازات الأخيرة من جانب ترامب، والتي استهدفت التشريعات الأوروبية في المجال الرقمي، سواء عبر تهديدات جديدة بفرض رسوم جمركية أو عبر تعليق منح التأشيرات لبعض المسؤولين الأوروبيين، فهي لا تساعد المفوضية في تبرير الاتفاق، وفقا للصحيفة الفرنسية.
وأشارت “لوفيغارو” إلى أنه “حتى الآن، كان جميع المفوضين مصطفين خلف فون دير لاين، التي تؤكد أن الاتحاد الأوروبي انتزع أفضل اتفاق ممكن”.
وتابعت: “لكن هذا الأسبوع، فتح كل من المفوضين ستيفان سيغورنيه وتيريزا ريبيرا ثغرة، معتبرين أنه من المنطقي أن تعيد بروكسل النظر في شروط الاتفاق والتنازلات المقدمة إذا ما جرى تفعيل التهديدات الأمريكية ضد قانون الأسواق الرقمية (DMA) وقانون الخدمات الرقمية (DSA)”.
احتمال الفيتو
وحذرت الصحيفة الفرنسية من أنه في البرلمان الأوروبي، تبرز أيضا معارضة قوية، فقد لوّح برند لانغه، الرئيس الاشتراكي الألماني للجنة التجارة الدولية، بإمكانية استخدام الفيتو، إذ يتعين على البرلمان الأوروبي، تماما مثل الدول الأعضاء، أن يصادق على الاتفاق والإجراءات الموعودة للأمريكيين التي قدمت يوم الخميس.
وتؤكد المفوضية مرارا أن هذه التنازلات لن تكون مكلفة كثيرا على الأوروبيين، مشيرة إلى أن “67% من الصادرات الأمريكية نحو الاتحاد الأوروبي معفاة أصلا من الرسوم الجمركية”، كما يلخص أحد الموظفين.
أما بالنسبة للسلع الصناعية مثل السيارات وقطع الغيار، فسوف يلغي الاتحاد الأوروبي بشكل نهائي نسبة الرسوم المتبقية البالغة 10%. كما سيلغي كل الرسوم المفروضة حاليا على الآلات، والآلات-الأدوات، والبلاستيك، والأدوية، والمواد الكيميائية.
أما في القطاع الزراعي، فيعرض الاتحاد الأوروبي وصولا تفضيليا للسوق الأوروبية، عبر رسوم معدومة أو منخفضة. فبينما يؤكد أن القطاعات الأكثر حساسية في أوروبا محمية، يقترح حصصا معفاة من الضرائب تشمل 25 ألف طن من لحم الخنزير و3000 طن من لحم البيسون.
وبالنسبة لمنتجات الألبان، فالكمية تبلغ 10 آلاف طن، كما أن أي واردات تتجاوز هذه الحصص ستخضع للرسوم الحالية. وبالنسبة لبعض الفواكه والخضراوات المنتجة بكثرة في أوروبا، مثل الطماطم والخرشوف، تُبقي المفوضية على رسوم جمركية، ولو مخففة.
وبينما يتبادل الطرفان ما يقارب 360 مليار يورو من السلع سنويا، فإن هذه التنازلات الجمركية لن تكلف الأوروبيين سوى “5 مليارات يورو”، بحسب تأكيدات المفوضية، وفقا للصحيفة الفرنسية.
اتفاق غير متوازن
أما بقية الالتزامات، مثل شراء 750 مليار يورو من الطاقة الأمريكية أو ضخ 600 مليار يورو من الاستثمارات خلال ثلاث سنوات، فهي تبقى خارج سلطة البرلمان الأوروبي والدول الأعضاء، لأنها تعتمد على قرارات الشركات الخاصة. كما أن جميع هذه التنازلات يمكن تعليقها في أي لحظة عند حدوث مشكلة.
من جانبها، تساءلت النائبة الفرنسية ماري-بيير فيدرين (من مجموعة “رينيو”)، “هل هذا الاتفاق غير متوازن وغير منصف؟ نعم”، معربة عن تشاؤمها قائلة: “ما زلت أتوقع الأسوأ مع دونالد ترامب”. ولفتت النائبة الفرنسية إلى أن الاتفاق تم تصميمه أساسا لإنقاذ صناعة السيارات الأوروبية، وربما لضمان بقاء واشنطن إلى جانب كييف.
وأضافت: “لكن هذا ليس سببا كافيا للتصويت ضده”، مشيرة إلى أن خطر رفض البرلمان للاتفاق يبقى قائما، خصوصا مع احتمال أن تدفع قوى اليمين المتطرف أو المحافظ إلى إسقاطه باعتباره “اتفاق استسلام”.
أما النائبة الاشتراكية الفرنسية أورور لالوكي، التي كانت قد وصفت الاتفاق في 28 يوليو/تموز بأنه “ابتزاز أمريكي”، فقد دعت بدورها الاتحاد الأوروبي إلى التحلي بـ”الشجاعة” وخوض مواجهة حقيقية.
كما نقلت الصحيفة الفرنسية عن أحد الدبلوماسيين الفرنسيين قوله: “إن البرلمان الأوروبي يحاول فقط إدخال نفسه في اللعبة”، موضحا أن الاتحاد الأوروبي غير قادر فعلا على قلب الطاولة، وفي كل الأحوال، فإن الفحص الأول للاتفاق، المقرر في 3 سبتمبر/أيلول، سيشكل اختبارا بالغ الأهمية.
aXA6IDQ1LjE0LjIyNS4xMCA=
جزيرة ام اند امز