سفينة حمدان الإنسانية.. من أبوظبي إلى غزة ‹ جريدة الوطن

أحيانًا لا يحتاج الإنسان إلى كلمات كثيرة بقدر ما يحتاج إلى يد تمتد نحوه في لحظة ضعف. هناك من يبحث عن شربة ماء، أو دواء لطفل، أو سقف يأويه من برد الليل. وفي مثل هذه اللحظات الحرجة، يصبح العطاء لغة أسمى من كل الشعارات. من هنا، تبحر السفن محملة بما هو أكثر من الطرود والصناديق، إنها محملة بالأمل.
من ميناء خليفة في أبوظبي، أبحرت سفينة حمدان الإنسانية التاسعة ضمن عملية «الفارس الشهم 3»، تحمل في جوفها أكثر من 7000 طن من المساعدات الغذائية والطبية والإغاثية، متجهة نحو غزة عبر ميناء العريش. ليست مجرد رحلة بحرية، بل جسر تضامن إنساني، يُذكّر بأن خلف كل صندوق غذائي طفل ينتظر وجبة، وخلف كل خيمة طبية حياة قد تُنقذ.
حمولة السفينة شملت 5000 طن من الطرود الغذائية، و1900 طن لدعم المطابخ الشعبية، و100 طن من الخيام الطبية، إلى جانب 5 سيارات إسعاف مجهزة. غير أن «حمدان الإنسانية » ليست سوى فصل في رواية أكبر: رواية عملية «الفارس الشهم 3»، التي تجاوزت مساعداتها 80,540 طنًا بتكلفة تخطت 1.6 مليار دولار، أي ما يعادل 44% من إجمالي المساعدات الإماراتية المقدمة للعالم في هذه المرحلة.
في تفاصيل هذه العملية، نجد أن الدعم امتد إلى الصحة عبر إرسال 26 سيارة إسعاف، ودعم 8 مستشفيات، وتوفير 640 ألف لقاح للأطفال، كما شمل المياه بإصلاح 36 خطًا رئيسيًا وحفر 114 بئرًا. أما التعليم، فقد حظي بدعم مباشر من خلال توزيع الحقائب الدراسية وتقديم 45 منحة داخل الدولة. وعلى الأرض، عمل المستشفى الميداني الإماراتي في غزة بطاقة 200 سرير على علاج أكثر من 53 ألف حالة.
حتى وسائل النقل اللوجستي كانت شاهدة على حجم الجهد: 217 طائرة نفذت 80 عملية جوية حملت 4500 طن، إلى جانب 8 سفن وعمليات دعم عبر البر، لتتكامل جميعها في منظومة إنسانية نادرة المثال.
رحلة «حمدان الإنسانية» من أبوظبي إلى غزة تحمل في ظاهرها مساعدات غذائية وطبية، لكنها في جوهرها تحمل معنى أكبر: أن الأزمات قد تكشف قسوة العالم، لكنها تكشف أيضًا معدن الشعوب التي تصر على أن تكون يدها ممدودة بالخير. الإمارات هنا لا تقدم مساعدات فحسب، بل تبني جسرًا إنسانيًا يؤكد أن القوة الحقيقية ليست بما نملك من ثروات، بل بما نقدمه من عطاء مستمر يترك أثره في قلوب الناس قبل أن يسجله التاريخ في صفحاته.