اسعار واسواق

العميل غاربو.. قصة مربي الدجاج الذي خدع هتلر


من مربي دجاج لأنجح جاسوس، عاش خوان بوجول غارثيا حياته وكأنها “سيناريو هليودي” يرسم خطا من بداية متواضعة، لمسيرة عامرة بالتناقضات.

في عام 1941، بعد مرور عامين على اندلاع الحرب العالمية الثانية، كان خوان بوجول (اسمه الكودي: العميل غاربو) مربي دجاج متواضعا من برشلونة، لكنه كان يرفض الأنظمة الفاشية لأدولف هتلر في ألمانيا، وفرانسيسكو فرانكو في إسبانيا. بحسب ما طالعته “العين الإخبارية” في موقع “إن بي آر” الأمريكي.

لم يستطع الجلوس مكتوف الأيدي بينما كان هؤلاء الزعماء يدمرون أوروبا. لذلك قرر القيام بشيء غير اعتيادي: ذهب إلى السفارة البريطانية لعرض خدماته كجاسوس.

لكن البريطانيين لم يبدوا اهتماما. ففي النهاية، كان بوجول، البالغ من العمر حينها 28 عاما، قد فشل في كل ما حاوله تقريبا، إذ كان طالبا سيئا، وجنديا أسوأ، وأفشل عددا مذهلا من المشاريع التجارية.

لكن بوجول كان مصمما: التجسس كان الشيء الوحيد الذي لن يفشل فيه.

بوجول، الذي شعر بالسخط، قرر المضي قدما في المغامرة، وأن يخاطب الألمان أولا، ثم يتحول إلى عميل مزدوج لاحقا.

وبعد بناء شبكة علاقات، نجح بالنهاية في خلق هوية لنفسه باعتباره مسؤولا حكوميا نازيا متعصبا من مدينة لشبونة البرتغالية.

واستنادا إلى هذه الهوية، تمكن من السفر إلى لندن لأداء بعض المهام الرسمية، واقتنع الألمان بكلامه.

قصص خيالية

وخلال عمله مع الألمان، استعمل بوجول مزيجا مرتجلا من المعلومات البريطانية، ليضفي مصداقية على المعلومات الاستخباراتية التي يعطيها للألمان.

ومن كتب الإرشاد السياحي إلى الأخبار والأفلام، لفّق بوجول مجموعة من القصص الزائفة والعملاء الخياليين، ومنحها لرؤسائه في ألمانيا.

استند بوجول في عملية الخداع إلى أمرين، أولهما أن تقاريره المزيفة كانت قابلة للتصديق لدرجة أن الاستخبارات البريطانية، حين اعترضت رسائله، بدأت التحقيق فيها.

ثانيهما أنه حتى إذا اكتشف النازيون أي معلومات مزيفة في تقاريره، فكل ما احتاج أن يفعله حينها هو أن يلوم أحد عملائه المزيفين.

وكان بوجول يبدع باستمرار من أجل الحفاظ على صورة شبكته من العملاء المتخفين الزائفين.

في إحدى المرات، حين أخفق في إبلاغ الألمان بتحركات كبرى ظاهرة للعيان للأسطول البريطاني من ميناء ليفربول، زعم أن عميله مرض قبل بدء تلك التحركات. ولدعم هذه القصة، زيّف موت ذلك العميل، ونشر نعيا في الصحيفة المحلية.

بريطانيا على الخط

وبعد فترة من التحركات السرية، علمت بريطانيا بحملة بوجول لتضليل النازيين في عام 1942، وعلى أثر انبهارهم بمواهبه وافقوا على أن يتعاون مع وكالة الاستخبارات البريطانية بصفته عميلا مزدوجا.

وأثبت العميل غاربو قيمته أثناء عملية “الشعلة” Torch، الحملة البريطانية في شمال أفريقيا، إذ أبلغ رؤساءه النازيين بالحقيقة، وهي أن السفن الحربية البريطانية المطلية بتمويه البحر متجهة نحو موانئ استراتيجية في شمال أفريقيا.

لكنه صاغ مع البريطانيين خطة محكمة تتعلق بإرسال معلومات صحيحة تماما لزيادة ثقة النازيين فيه، لكن في الوقت الخاطئ.

وبالفعل، قام طيار بالخطوط الجوية الهولندية بإرسال رسائله إلى الألمان في ذلك الوقت، ومن ثم قيد إرسالها بجداول الشحن. ووصلت متأخرة للغاية إلى البحرية الألمانية.

لكن حين وصلت إليهم الرسالة، كتب له الضباط النازيون قائلين: “نشعر بالأسف لأن المعلومات وصلت لنا متأخرة، لكن تقاريرك الأخيرة كانت رائعة”.

وفي النهاية، أكسبته تلك التحركات الماهرة ثقة القيادة النازية العليا، التي بدأت التواصل معه عبر الراديو بدلا من إرسال الرسائل بالطائرات.

وأرسل الألمان لبوجول أحدث شيفراتهم، وسلّمها بدوره إلى البريطانيين ليساعدهم في جهود فك الشيفرة الألمانية، وهي نقطة تحول حاسمة في مسار الحرب، وأدت في النهاية إلى هزيمة هتلر.

“العملية أوفرلورد”

بحلول عام 1944، كانت القوات البريطانية والأمريكية تخطط لغزو بري طال انتظاره لأوروبا الغربية انطلاقا من شواطئ نورماندي الفرنسية، حمل اسم “العملية أوفرلورد”.

وبالتوازي مع العملية أوفرلورد، كانت هناك عملية خداع تحمل اسم “فورتيتيود”، وكانت مهمتها إقناع القيادة العليا الألمانية بأن الحلفاء يخططون لغزو مضيق كاليه في فرنسا، وهو النقطة الأقرب جغرافيا إلى إنجلترا.

وفي إطار هذه العملية، أمد الحلفاء الألمان بمعلومات زائفة، وهنا لعب خوان بوجول غارسيا دوره.

في تلك الفترة، استمر بوجول في استراتيجيته القائمة، وهي إرسال خليط من المعلومات المزيفة والمعلومات السليمة استراتيجيا، لكن النوع الأخير كان يصل متأخرا بحيث لا تبقى له قيمة فعلية.

وفي أهم تحركاته قاطبة، أرسل رسالة عاجلة في الثالثة من صباح يوم ساعة الصفر بخصوص غزو نورماندي، لكن لم يجب أحد على الجانب الآخر.

في اليوم التالي، استيقظ مشغلو أجهزة استقبال الراديو وأدركوا أهمية رسالته، لكنهم أدركوا أنهم تأخروا للغاية، فالغزو بدأ بالفعل في نورماندي.

وخلص فحص للسجلات الألمانية بعد الحرب إلى أن بوجول في ذلك الوقت زود الألمان بما لا يقل عن 62 تقريرا في الملخصات الاستخباراتية الموجهة إلى القيادة الألمانية العليا.

ودفع الألمان مبلغا تصل قيمته اليوم إلى مليون دولار، لدعم شبكة غارسيا المؤلفة من 27 عميلا لا وجود لهم، وفق تقارير صحفية.

aXA6IDQ1LjE0LjIyNS4xMCA= جزيرة ام اند امز NL

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى