جيش فنزويلا.. نفوذ معقد يرسم المستقبل

أياً كان من سيتولى زمام الأمور في فنزويلا، فمن شبه المؤكد أن الجيش سيظل نشطًا سياسيًا.
ووفق مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية، فإنه بعد اعتقال نيكولاس مادورو، سيتحدد المستقبل السياسي لفنزويلا في ضوء موقف الجيش الذي سيظل فاعلًا سياسيًا رئيسيًا أيا كان شكل النظام القادم.
ويعود نفوذ الجيش وعلاقته المعقدة بالسلطة المدنية في فنزويلا إلى ما قبل عهد مادورو أو حتى سلفه هوغو تشافيز.
ولذلك، فإن الخطر الأساسي في البلاد الآن هو احتمال أن تقوم المؤسسة العسكرية بإسقاط أي قيادة مدنية جديدة أو التلاعب بها، ما لم يتم إجراء إصلاحات جذرية في طبيعة العلاقات المدنية العسكرية.
ويجب ألا تقتصر هذه الإصلاحات على تفكيك نموذج “الجيش الحزبي” الذي ترسخ في عهدي تشافيز ومادورو، بل يجب أيضا تجاوز النموذج الأقدم الذي ساد خلال حقبة ما قبل تشافيز.
وأشارت المجلة إلى أن العملية الأمريكية لاعتقال مادورو كشفت عن ضعف أداء الجيش الفنزويلي الذي عجز عن حماية المجال الجوي أو منع تدمير أنظمة الدفاع الجوي الروسية.
كما أن اعتماد مادورو على عناصر أمنية كوبية ضمن حراسته الشخصية، ومقتل عدد كبير منهم، أظهر انعدام ثقته بالجيش الوطني.
ورغم هذا الضعف العملياتي، لا يزال الجيش يتمتع بقوة سياسية كبيرة، كما يتضح من سرعة إعلان وزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز، دعمه لنائبة الرئيس ديلسي رودريغيز، ومن تعيين ضباط موالين للنظام في مناصب حساسة، واستمرار شخصيات سياسية ذات ارتباط وثيق بالجيش في مواقع السلطة.
ويعود هذا الاندماج بين الحزب الحاكم والجيش، إلى فترة ما قبل تشافيز، وتحديدًا إلى نظام بونتو فيخو الذي قام منذ 1958 على تقاسم السلطة بين نخب حزبية، مقابل منح الجيش استقلالًا واسعًا في شؤون الأمن والدفاع.
وسمح هذا الترتيب للمؤسسة العسكرية بتجنب الرقابة المدنية والاحتفاظ بنفوذ سياسي غير معلن، ما جعل “السيادة المدنية” مجرد مظهر شكلي وهو ما تجلى في سلسلة الانقلابات بين عامي 1988 و1992، أبرزها محاولة انقلاب هوغو تشافيز عام 1992.
وكشفت هذه الانقلابات، أن القيادات العسكرية كانت على علم بحالة التذمر داخل الجيش، لكنها لم تتخذ إجراءات وقائية، كما أن القيادات المدنية تخلت عن دورها الرقابي مقابل ضمان ولاء الجيش.
والأمر اللافت للنظر أيضًا هو أن الانقلابات قادها ضباط من الرتب المتوسطة، مما يعكس خللا في نظام الترقية يجمع بين الاحتراف الشكلي والمحسوبية السياسية في المستويات العليا.
ولفترة طويلة أسهمت الثروة النفطية في إخفاء هذه التناقضات، عبر توفير شرعية شعبية ورواتب ومزايا مرتفعة للعسكريين.
لكن مع تراجع أسعار النفط، وفرض إجراءات تقشف في أواخر الثمانينيات، واندلاع اضطرابات اجتماعية واسعة، انهار هذا التوازن الهش، وازدادت تدخلات الجيش في السياسة، وهو ما مهد الطريق لصعود تشافيز.
وبعد وصول تشافيز إلى السلطة، ثم في عهد مادورو، جرى ترسيخ سيطرة الحزب الواحد على الجيش من خلال مزيج من الرقابة الاستخباراتية، والترقيات القائمة على الولاء السياسي، وإتاحة فرص فساد، وإنشاء قوى موازية مثل الحرس الوطني والميليشيات.
وقد أدت هذه السياسات إلى تشويه بنية المؤسسة العسكرية، حيث أصبح عدد الجنرالات والأدميرالات مبالغًا فيه مقارنة بحجم الجيش، مما أدى في النهاية إلى ضعف الكفاءة والاحتراف.
مخاطر
في حين كان هذا الاندماج بين الحزب والجيش ضمانة لولاء المؤسسة العسكرية للنظام لفترة طويلة، إلا أنه يحمل اليوم مخاطر كبيرة، حيث إن أي تغيير سياسي قد يؤدي إلى انقسام الجيش على أسس حزبية، بما يفتح الباب أمام حالات من التمرد أو حتى حرب أهلية.
وبينما دعا بعض قادة المعارضة، مثل ماريا كورينا ماتشادو، إلى إصلاح الجيش وإعادته إلى دوره الدستوري، إلا أنهم تجاهلوا مشكلة النموذج القديم للعلاقات المدنية العسكرية في عهد بونتو فيخو.
وعودة هذا النموذج في الوقت الذي تعاني فيه الأحزاب المدنية من الضعف قد تؤدي مجددًا إلى عدم الاستقرار، خاصة في ظل تآكل قدرات الدولة نتيجة الفساد والتسييس والانهيار الاقتصادي.
ولإصلاح هذه الأوضاع، يجب إعادة ترسيخ رقابة مدنية حقيقية، وضبط الميزانية العسكرية، وتعيين وزير دفاع مدني، وتقليص عدد كبار الضباط، وبناء خبرة مدنية متخصصة في شؤون الدفاع.
ومن الضروي -أيضا- وضع حدود للصلاحيات الممنوحة للعسكريين قانونيًا ومؤسسيًا، وترسيخ قيم احترام حقوق الإنسان والعمل مع السلطات المدنية المحلية.
ومن المؤكد أن واشنطن يمكنها أن تلعب دورًا داعمًا، عبر المساعدة المؤسسية والتعليمية دون التورط المباشر في السياسة الداخلية.
كما أن بناء علاقات مدنية عسكرية ديمقراطية حقيقية في فنزويلا سيكون عملية طويلة ومعقدة، لكنها الطريق الوحيد نحو الاستقرار والديمقراطية المستدامة، وفق المجلة.
aXA6IDQ1LjE0LjIyNS4xMCA=
جزيرة ام اند امز




