اسعار واسواق

التهديد بحل الجمعية الوطنية بفرنسا.. «ابتزاز سياسي» أم سلاح دستوري؟


عاد شبح حل الجمعية الوطنية في فرنسا، لكن هذه المرة برز كـ«أداة ضغط سياسي» لا كخيار دستوري أخير.

فتهديد رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان ليكورنو لم يُستقبل بوصفه إجراءً تقنيًا تتيحه نصوص الجمهورية الخامسة، بل كرسالة حادة تعكس انسدادًا في قنوات الحوار، وتكشف عن تصاعد التوتر بين سلطة تنفيذية تسعى لفرض الانضباط، ومؤسسة تشريعية «باتت أكثر تمردًا وأقل قابلية للاحتواء».

ويوم الجمعة، أعلن رئيس الوزراء الفرنسي، سيباستيان ليكورنو، عن احتمال حل الجمعية الوطنية، حال استمرار التهديدات بمساءلته عبر مواضيع رقابية، وهي خطوة فاجأت النواب وأثارت ردود فعل حادة من داخل الصفوف البرلمانية.

جاء هذا الإعلان كجواب على مناقشات حول التصويت على اتفاقية الاتحاد الأوروبي ومجموعة دول الميركوسور، التي صوتت فرنسا ضدها، لكن التهديد قوبل باعتباره أشبه بـ«الابتزاز» السياسي، وفق مراقبين.

جدل وتساؤلات

تهديد سيباستيان ليكورنو، بحل الجمعية الوطنية، اعتبره خبراء سياسيون فرنسيون، استطلعت «العين الإخبارية» آراءهم، يفتح بابًا واسعًا للتساؤلات حول فعالية الأدوات الدستورية والسياسة البرلمانية في فرنسا، ويثير الجدل حول حدود استخدام السلطة التنفيذية.

وبين من يرى في التهديد مناورة تكتيكية لفرض الانضباط، ومن يعتبره «ابتزازًا مؤسسيًا» يقوض الثقة الديمقراطية، تجد فرنسا نفسها أمام اختبار دقيق: هل ما يجري تعبير عن قوة الدولة، أم مؤشر على هشاشة توازنها الداخلي؟

يقول الدكتور برونو كورتييه، أستاذ العلوم السياسية في جامعة باريس-سوربون لـ«العين الإخبارية» إن تهديد حل الجمعية الوطنية يعكس «استخدامًا تكتيكيًا غير موفق للأدوات الدستورية».

وأوضح كورتييه، أن رئيس الوزراء حاول عبر هذا التهديد «فرض الانضباط السياسي، وإجبار النواب على دعم ميزانية الدولة، لكنه نجح في إشعال الجدل بدل تحقيق الهدف».

سلاح ذو حدين

وأشار إلى أنه «في النظام الفرنسي، التهديد بحل الجمعية هو سلاح ذو حدين، ويمكن أن يؤدي إلى انقسامات أكبر داخل البرلمان، ويضعف الثقة بالسلطة التنفيذية. ما قام به ليكورنو يعكس أزمة التوازن بين السلطة التنفيذية والتشريعية في سياق حساس سياسيًا».

وأضاف كورتييه أن الأزمة الحالية «توضح الحاجة إلى سياسات أكثر شفافية وابتعادًا عن أساليب الضغط المباشر على النواب»، مشيرًا إلى أن «السيناريو الأمثل كان التعامل مع المعارضة بالتحاور والتفاوض بدلاً من التهديد الصريح».

وكان ليكورنو وجه وزير الداخلية، لوران نونيز، للاستعداد لإجراء انتخابات تشريعية محتملة في مواعيد الانتخابات البلدية، 15 و22 مارس/آذار، إلا أن ذلك لم يرق للنواب الذين اعتبروها محاولة للضغط السياسي، إذ أكدوا أنها تأتي بنتائج عكسية وتزيد من الاستقطاب بدل تحقيق الاستقرار.

بدوره، قال البروفيسور دومينيك رينيه، أستاذ العلوم السياسية في معهد الدراسات السياسية بباريس في حديث لـ«العين الإخبارية» إن خطوة ليكورنو «تمثل مثالًا على ما نسميه الابتزاز المؤسسي، حيث يستغل رئيس الحكومة أدوات دستورية لتحقيق أهداف سياسية فورية على حساب الاستقرار المؤسساتي».

وتابع: «هذا النوع من التحركات قد ينجح على المدى القصير في الضغط على النواب، لكنه يخلق فجوة بين الحكومة والبرلمان ويضعف الثقة بالمؤسسات الديمقراطية، خصوصًا عندما يتزامن مع مسائل حساسة مثل اتفاقيات دولية أو ميزانية الدولة».

تحديات

وأضاف رينيه أن هذا التهديد «يضع فرنسا أمام تحدٍ داخلي وخارجي؛ إذ يراقب المجتمع الدولي كيف تدير الدولة الصراعات الداخلية، وهذا له انعكاسات على صورة فرنسا كدولة تحترم سيادة المؤسسات وقواعد اللعبة الديمقراطية».

وأشار إلى أن «التحليل القانوني والسياسي يظهر أن البرلمان هو الفاعل الأساسي في الرقابة على الحكومة، وأن التهديد بحله يجب أن يكون أداة استثنائية وليست وسيلة للضغط الروتيني».

وأغضب تهديد رئيس الوزراء الفرنسي، شخصيات وكتلا سياسية، مطالبة باستخدام المادة 49.3 لتوفير الميزانية الوطنية.

أبرز السياسيين الفرنسيين الذين انتقدوا هذا التهديد؛ الرئيس السابق فرانسوا هولاند، الذي وصفه بأنه «لا معنى له»، مشددًا على أن دور رئيس الوزراء هو توفير الاستقرار في وقت القلق السياسي.

كذلك أعرب كزافييه بيرتراند، رئيس حزب الجمهوريين في منطقة أو دو فرانس، عن رفضه استغلال التهديد للحل لإرهاب الكتل البرلمانية، معتبرًا أن القيادة عبر الخوف أو الضغط أو الابتزاز «ليست لائقة بوظائف الدولة ولا تتوافق مع روح مؤسساتنا».

aXA6IDQ1LjE0LjIyNS4xMCA= جزيرة ام اند امز NL

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى