اسعار واسواق

الحرس الثوري الإيراني.. من قرية فرنسية إلى مركز القرار في طهران


قبل أن يصبح أحد أكثر المؤسسات العسكرية والأمنية تعقيداً في المنطقة، كانت بذرة “الحرس الثوري” تُبذر في مكان بعيد عن الأراضي الإيرانية.

وتشير صحيفة “التليغراف”، إلى أنه خلال أواخر سبعينيات القرن الماضي، وبينما كان مرشد إيران الراحل الخميني يقيم في منفاه في فرنسا، وتحديداً في قرية نوفل لو شاتو الهادئة قرب باريس، شرع مقربون منه في تجنيد ثوار إيرانيين من الشتات لتأسيس ما سُمي آنذاك بـ”جيش الشعب”.

ويقول محسن سازغارا، أحد المؤسسين الأوائل للحرس، إن الهدف عام 1978 كان تجميع الموالين المستعدين لمواجهة مسلحة طويلة الأمد ضد نظام الشاه، حيث تلقوا تدريبات نظرية في حرب العصابات قبل نقلهم إلى بيروت ودمشق لتلقي تدريبات على عمليات “القتال والتخريب”، وفقا للصحيفة البريطانية.

غير أن تسارع الأحداث قلب كل التوقعات رأساً على عقب. ففي 16 يناير/كانون الثاني 1979، فرّ الشاه من إيران، وسقط نظامه تماماً في 11 فبراير/شباط. عند هذه اللحظة الحاسمة، لم يكن أعضاء النواة التأسيسية للحرس داخل البلاد.

كانت الثورة، مفاجئة حتى لقيادتها، ويشير سازغارا إلى أن الثوار كانوا يتوقعون حرباً طويلة ضد جيش الشاه، لكن انقسام الجيش ورفض الكثير من وحداته إطلاق النار على المتظاهرين أدى إلى الانهيار السريع.

الولادة الرسمية

ومع عودة الخميني إلى طهران في 1 فبراير/شباط 1979، تغيرت المهمة جذرياً: لم يعد الهدف هو إسقاط نظام، بل حماية النظام الجديد، وأعيد إحياء فكرة “الجيش الشعبي”، وتم تحويل مقر استخبارات مهجور للنظام السابق في طهران إلى النواة الأولى للتنظيم.

وفي 22 أبريل/نيسان 1979، أصدر الخميني قراراً رسمياً بتأسيس “الحرس الثوري”، كقوة أمنية حضرية هدفها الأساسي نزع سلاح الجماعات المسلحة المتنافسة وحراسة النظام الثوري الوليد من أي تهديد داخلي أو انقلاب عسكري.

الحرب والتوسع

كانت الحرب الإيرانية-العراقية (1980-1988) المحطة الأهم في تحول الحرس من قوة أمنية محدودة إلى جيش متكامل. ففي عام 1985، ضم الحرس قوات برية وجوية وبحرية خاصة به، ليصبح مؤسسة عسكرية موازية للجيش النظامي.

وبعد الحرب، وفي ظل حاجة البلاد لإعادة الإعمار ووفاة الخميني، بدأ الحرس في التحول الاقتصادي، خلال رئاسة أكبر هاشمي رفسنجاني لإيران، حيث منحت له امتيازات واسعة في قطاعات البنية التحتية، ما فتح الباب أمام نشوء إمبراطورية اقتصادية ضخمة، يصفها سازغارا بأنها “تحولت إلى كيان اقتصادي متوحش ثم إلى شبكة مافيا تسيطر على البلاد”.

القفزة

ظل الحرس لعقود في الخلفية السياسية، لكن هذا الوضع تغير بعد فوز الإصلاحيين في انتخابات 1997.

وبأمر مباشر من المرشد علي خامنئي، دخل الحرس المعترك السياسي بشكل مباشر، حيث شغل قادته مقاعد برلمانية وبدأوا في صياغة السياسات السيادية، خاصة في الملفات الاستراتيجية مثل البرنامج النووي وتطوير الصواريخ. وهكذا، اكتملت دائرة النفوذ: عسكرياً واقتصادياً وسياسياً.

ويُعد فيلق القدس، الذراع الخارجية للحرس، الأكثر إثارة للجدل دولياً، إذ يتولى هذا الفيلق تنسيق ما يُعرف بـ”محور المقاومة”، ودعم جماعات مسلحة في لبنان وسوريا والعراق واليمن وفلسطين.

هذه السياسة الإقليمية النشطة جعلت إيران والحرس الثوري في مواجهة مباشرة مع قوى إقليمية ودولية، وأسهمت في تعميق عزلة طهران.

تحديات مصيرية

ويواجه الحرس اليوم تحديات غير مسبوقة: من اغتيال قائد “فيلق القدس” قاسم سليماني في 2020 بالعراق، إلى الضربات الإسرائيلية المتكررة ضد المنشآت والقادة، مروراً بالاحتجاجات الداخلية المتصاعدة والأزمة الاقتصادية الخانقة.

ومع تقدم سن المرشد خامنئي (85 عاماً) وغياب خليفة محتمل، يقف النظام ومؤسسته الأهم “الحرس الثوري” على حافة لحظة مصيرية.

وقال أحد الأكاديميين الإيرانيين، فضل عدم ذكر اسمه: “الحرس الثوري لم يُختبر بعد في لحظة الفراغ الكبرى. والاختبار الحقيقي سيأتي مع غياب خامنئي”. فمستقبل هذه المؤسسة، التي ولدت من رحم المنفى وترعرعت في زمن الحرب ثم هيمنت على مفاصل الدولة، سيحدده قدرتها على الصمود في مرحلة ما بعد خامنئي، وهي مرحلة يبدو أن رياح التغيير العاتية قد بدأت تهب على عتباتها.

aXA6IDQ1LjE0LjIyNS4xMCA=

جزيرة ام اند امز

NL

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى