فيروسات تطير لساعات.. لماذا يصبح الشتاء موسم العدوى؟

مع انخفاض الحرارة وتراجع ساعات سطوع الشمس، يتكرر كل عام السيناريو ذاته: سعال وعطس وحمى وآلام في الجسد، إيذانا ببدء موسم الإنفلونزا.
ورغم أن هذا النمط بات مألوفا، فإن السبب العلمي الدقيق وراء تفشي المرض في الشتاء ظل غامضا لفترة طويلة.
خلال السنوات الخمس الأخيرة، بدأ هذا اللغز في الانكشاف، بفضل أبحاث حديثة تشير إلى أن العامل الحاسم لا يرتبط فقط بسلوك البشر أو ضعف المناعة، بل بخصائص الهواء الذي نتنفسه، وتحديدا انخفاض رطوبته في فصل الشتاء.
وتقدر الإصابات السنوية بالإنفلونزا عالميًا بالملايين، فيما تودي مضاعفات المرض بحياة مئات الآلاف، وتكمن خطورة الفيروس، بحسب جان ميتز من جامعة بريستول، في قدرته السريعة على التحور، ما يجعل الأجسام المضادة التي كونها الجسم في موسم سابق غير قادرة على التعرف على السلالة الجديدة. وتضيف أن هذا التغير المستمر “يُضعف المناعة المكتسبة ويُعقد في الوقت نفسه تطوير لقاحات فعّالة يقبل عليها عدد كافٍ من الناس”.
ولسنوات، ركزت التفسيرات على العوامل السلوكية، مثل قضاء وقت أطول في الأماكن المغلقة المزدحمة خلال الشتاء، أو على العوامل الفسيولوجية، كضعف جهاز المناعة نتيجة نقص فيتامين «د» بسبب قلة التعرض لأشعة الشمس، أو انقباض الأوعية الدموية في الأنف عند استنشاق الهواء البارد، ما يحد من وصول خلايا المناعة إلى الأغشية المخاطية.

لكن هذه التفسيرات لم تكن كافية. ووفق دراسات حديثة قادها جيفري شامان من جامعة كولومبيا، فإن العامل الأهم هو جفاف الهواء. فبحسب قوانين الفيزياء، يحمل الهواء البارد كمية أقل من بخار الماء، ما يؤدي إلى انخفاض الرطوبة، وهي بيئة مثالية لبقاء فيروس الإنفلونزا وانتشاره.
ويشير شمان إلى أن تحليل بيانات مناخية وصحية امتدت لأكثر من 30 عاما أظهر أن موجات الإنفلونزا غالبا ما تأتي بعد انخفاض واضح في رطوبة الهواء. كما أظهرت تجارب معملية على حيوانات أن الفيروس يواجه صعوبة في الانتشار في الأجواء الرطبة، بينما ينتقل بسرعة أكبر في الهواء الجاف.
وتكمن المفارقة في أن الرطوبة، التي نربطها عادة بالشعور بالمرض، قد تكون عامل حماية. ففي الهواء الرطب، تبقى قطرات العطس والسعال كبيرة نسبيا وتسقط سريعا، أما في الهواء الجاف فتتفكك إلى جزيئات دقيقة تظل معلقة لساعات أو حتى أيام، ما يزيد فرص استنشاقها. كما أن بخار الماء نفسه قد يُضعف الفيروس عبر التأثير في بنيته الكيميائية، في حين يبقى نشطا لفترات أطول في الأجواء الجافة.

هذه النتائج فتحت الباب أمام حلول بسيطة نسبيا، فقد قدر تيلر كويب، الذي كان يعمل في “مايو كلينيك”، أن تشغيل أجهزة ترطيب الهواء لمدة ساعة واحدة في المدارس يمكن أن يقلل نحو 30% من الفيروسات العالقة في الجو.
ويقول إن تطبيق هذه الفكرة في أماكن مثل غرف الانتظار بالمستشفيات أو وسائل النقل العام قد يحد من التفشيات الواسعة، ويقلل من أيام العمل والدراسة المفقودة وتكاليف الرعاية الصحية.
ومع ذلك، يحذر شامان من الإفراط في استخدام الترطيب، موضحًا أن “ارتفاع الرطوبة قد يساعد أيضًا على نمو ممرضات أخرى، مثل العفن، لذا يجب التعامل مع هذه الإجراءات بحذر”.
ويؤكد العلماء في ختام أبحاثهم أن اللقاحات والالتزام بالنظافة الشخصية يظلان خط الدفاع الأول ضد الإنفلونزا، بينما يمكن للتحكم المدروس في رطوبة الهواء أن يشكل سلاحا إضاقيا في مواجهة فيروس سريع التغير والانتشار.
aXA6IDQ1LjE0LjIyNS4xMCA= جزيرة ام اند امز




