الإخوان المسلمون تحدٍّ عابر للحدود وملف مفتوح ‹ جريدة الوطن

أكد خبراء وأكاديميون وباحثون في جلسة حوارية نظمها مجلس تريندز البحثي أن جماعة الإخوان المسلمين لم تعد مجرد إشكالية تاريخية، بل تمثل ملفاً مركزياً يمتد تأثيره إلى الحاضر والمستقبل، في ظل إقليم يشهد أزمات متشابكة وصراعات مفتوحة. وشددوا على أن مواجهة هذا التنظيم لا يمكن أن تقتصر على المقاربات الأمنية وحدها، بل تتطلب رؤية شاملة تدمج بين الفكر، والتعليم، والإعلام، والسياسات العامة، وتعزز الوعي المجتمعي والبحث العلمي بوصفهما خط الدفاع الأول.
جاء ذلك خلال جلسة بعنوان “الإخوان المسلمون في سياق إقليمي مضطرب: تحولات الحاضر ومسارات المستقبل”، التي عُقدت أمس في مستهل النشاط البحثي للمجلس.
الإخوان وتنظيم عابر للدولة
وفي الكلمة الافتتاحية، أكد الدكتور محمد عبدالله العلي، الرئيس التنفيذي لمركز تريندز للبحوث والاستشارات، أن الجلسة تنعقد في لحظة إقليمية دقيقة تتداخل فيها الأبعاد السياسية والأمنية والفكرية، مشيراً إلى أن تنظيم الإخوان يُعد من أكثر الفواعل العابرة للدولة قدرة على استثمار مناخ الاضطراب الإقليمي.
وأوضح العلي أن التجربة خلال العقد الماضي أثبتت سعي التنظيم إلى إعادة إنتاج نفسه عبر القفز على الأزمات وتوظيف الصراعات وبناء شبكات نفوذ تتجاوز الدولة الوطنية، محذراً من خطاب أيديولوجي تعبوي يهدد الاستقرار السياسي. وأضاف أن الضغوط التي تعرض لها التنظيم في بعض الدول لا تعني نهايته، نظراً لقدرته العالية على التكيف وإعادة التموضع، سواء عبر العمل العلني أو الاختراق غير المباشر للمجتمعات واستغلال الفضاء الإعلامي والرقمي.
وأشار إلى أن الصراعات في الإقليم، لا سيما في السودان واليمن، تحولت إلى فرص جديدة أمام التنظيم، رغم أن التجارب أثبتت أن التحالف معه يقود إلى مزيد من التفكك وانهيار الدولة. وأكد أن الجلسة تعتمد مقاربة تحليلية هادئة تهدف إلى فهم التحولات الراهنة واستشراف المسارات المستقبلية بواقعية.
محاور الجلسة
بدوره، استعرض الباحث الرئيسي عبدالعزيز الشحي، مدير الجلسة ونائب رئيس قطاع البحوث في “تريندز”، محاور النقاش التي شملت ديناميكيات النشاط الإخواني في بلاد الشام، ودور حزب الإصلاح في تمديد الصراع اليمني، والتصنيف الأمريكي لجماعة الإخوان وانعكاساته التنظيمية والتمويلية، وتحولات دور الإخوان في السودان في سياق الصراع الداخلي.
بلاد الشام: أزمة هوية وولاء
وفي مداخلة بعنوان “ديناميكيات نشاط الإخوان في بلاد الشام”، أكد معالي الأستاذ الدكتور محمد نوح القضاة، وزير الأوقاف الأردني الأسبق، والأستاذ المشارك بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، أن الجماعات ذات الأجندات العابرة للحدود تعاني أزمة بنيوية في الاعتراف بالهوية الوطنية، مشدداً على أن ارتهان القرار للخارج يقوض الاستقرار ويعيق التعايش داخل الدولة.
وأشار القضاة إلى أن الجماعة استخدمت العاطفة الدينية للنفوذ، لكنها تصطدم اليوم بوعي متزايد يرفض تسييس الدين، داعياً إلى تطبيق القانون لحماية الهوية الوطنية ومنع الاختراق الفكري والتنظيمي.
وعرج الدكتور القضاة على تجربته في التعامل مع جماعة الإخوان المسلمين عبر مراحل متعددة، مبيّناً تغيّر أساليبها في الاستقطاب، خصوصاً داخل الجامعات ووزارة الشباب. وأشار إلى اعتماد الجماعة على توظيف الدين للوصول إلى الحكم، وسعيها للسيطرة على الإعلام والتعليم والمسجد، مع تضخيم الإخفاقات وتقزيم المنجزات لإثارة السخط. كما أكد أن المواجهة الأمنية وحدها غير كافية، داعياً إلى دور إعلامي ومجتمعي وديني فاعل. كما تطرق إلى مواقف الجماعة من الدولة الوطنية، وقارن بين التعامل بالحلم والحزم، مع التأكيد على أولوية الولاء للدولة وحفظ سيادتها.
اليمن: حزب الإصلاح وتمديد الصراع
من جانبه، أكد ضرار بالهول الفلاسي، رئيس مجلس الإدارة والمدير التنفيذي لمجموعة المجلس بدولة الإمارات، أن حزب الإصلاح اليمني شكّل عقبة رئيسية أمام الحسم العسكري والتسوية السياسية، متهماً إياه بتغليب مصالح التنظيم الدولي على المصلحة الوطنية.
وأوضح أن سياسات الحزب القائمة على المناورة والتحالفات المتغيرة أسهمت في إطالة أمد الصراع، محذراً من تغلغله الفكري في المؤسسات التربوية والعسكرية، واصفاً ذلك بـ«القنبلة الموقوتة» التي تهدد استقرار اليمن والمنطقة.
التصنيف الأمريكي وتداعياته
وتناول أيمن دين، مستشار الشؤون الإقليمية في المملكة المتحدة، تطور الموقف الأمريكي من جماعة الإخوان، مشيراً إلى أن النظرة إليها تغيرت تدريجيًا بعد أحداث 11 سبتمبر، وصولاً إلى تصنيفات أمنية أثرت على بنيتها التنظيمية وشبكاتها التمويلية، وأدت إلى إغلاق حسابات وتراجع التبرعات، فضلاً عن تحالفات انتهازية مع حركات يسارية لتحقيق مكاسب سياسية.
وأوضح أيمن دين أن انتباه الإدارات الأمريكية لجماعة الإخوان المسلمين بدأ مع جولات قيادات إخوانية في الجامعات الأمريكية للترويج للجهاد الأفغاني، حيث جرى لاحقاً استغلال الجماعة كأداة في مواجهة الاتحاد السوفييتي، قبل أن يتشكل إدراك متأخر لطبيعتها وخطورتها. وبعد أحداث 11 سبتمبر، تغيّرت النظرة الأمريكية، إذ قدّم الإخوان أنفسهم كتيار معتدل وديمقراطي، ما أتاح لهم اختراق الساحة السياسية والإعلامية الأمريكية. ومع اتفاقية أوسلو، تصاعد اهتمام السلطات الأمريكية بملفات تمويل مرتبطة بالإخوان وحركة حماس، في وقت استثمرت فيه الجماعة تداعيات 11 سبتمبر لتعزيز حضورها عبر منظمات مثل “كير” و“Islamic Society of North America – ISNA”، وهو ما انعكس على بعض توجهات إدارة أوباما خلال ما عُرف بـ“الربيع العربي”. وفي تطور لاحق، صدر في نوفمبر 2025 أمر سري بتصنيف فروع من جماعة الإخوان في مصر والأردن ولبنان كمنظمات إرهابية.
السودان: أزمة دولة لا صراع سلطة
وفي المحور الأخير، أوضح حمد الحوسني، مدير إدارة دراسات الإسلام السياسي في “تريندز”، أن الحرب في السودان تعكس أزمة بنيوية في تكوين الدولة، ناتجة عن عقود من تسييس الدين وعسكرة المؤسسات. وأكد أن جماعة الإخوان تحاول استثمار الانقسام العسكري لإعادة التموضع السياسي وتعميق اقتصاد الحرب، ما فاقم العنف وأغلق الأفق الوطني.
وخلصت الجلسة إلى أن مواجهة جماعة الإخوان المسلمين تتطلب استراتيجية شاملة تتجاوز الحلول الأمنية، وتقوم على تعزيز خطاب الاعتدال، وترسيخ مفهوم الدولة الوطنية، وحماية الدين من التوظيف السياسي، مع التأكيد على أن البحث العلمي والوعي المجتمعي يمثلان الركيزة الأساسية في التصدي للفكر المتطرف.




