فصل مأساوي بتاريخ بحرية بريطانيا.. إنقاذ ملك النرويج على حساب 900 بحار

كشفت وثائق وسياقات تاريخية أعيد تسليط الضوء عليها مؤخرًا عن واحدة من أكثر القرارات مأساوية في تاريخ البحرية الملكية البريطانية.
قرار دفع «أدميرال بريطاني» إلى تجاهل نداء استغاثة أدى إلى غرق نحو 900 بحّار، مفضّلًا تنفيذ مهمة عليا تمثّلت في إنقاذ العائلة المالكة النرويجية ونقلها بسلام إلى بريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية.
وتعود القصة إلى السير جون هنري دانييل كانينغهام، أحد أبرز قادة البحرية الملكية، والذي برز اسمه مجددًا بعد بيع مجموعته النادرة المكوّنة من 22 وسامًا وميدالية في مزاد علني بلندن مقابل نحو 20 ألف جنيه إسترليني.
وقد أعاد هذا المزاد فتح صفحة من أكثر فصول مسيرته إثارة للجدل، وتحديدًا رحلته على متن الطراد البريطاني «إتش إم إس ديفونشاير» في يونيو/حزيران 1940، وفقا لصحيفة ديلي ميل.
في ذلك الوقت، كان كانينغهام مكلفًا بمهمة بالغة الحساسية تتمثل في إجلاء الملك النرويجي هاكون السابع وعدد من كبار المسؤولين، إلى جانب احتياطيات الذهب النرويجية، عقب الغزو النازي للبلاد.
وأثناء إبحار «ديفونشاير» نحو إنجلترا، تلقى الأدميرال إشارة استغاثة من حاملة الطائرات البريطانية «إتش إم إس غلوريوس»، التي كانت تتعرض لهجوم من سفن حربية ألمانية. وكانت «ديفونشاير» على بُعد نحو 50 ميلًا بحريًا، كما كانت السفينة الوحيدة التي التقطت النداء.
إلا أن كانينغهام وجد نفسه أمام معضلة قاسية. فقد كانت لديه أوامر صارمة بالحفاظ على الصمت اللاسلكي الكامل، وضمان إيصال العائلة الملكية النرويجية بسلام، نظرًا لاحتمال تعرّضهم لهجوم مباشر في حال انكشاف موقع السفينة.
وبناءً على ذلك، قرر تجاهل نداء الاستغاثة ومواصلة الإبحار، وهو قرار أدى إلى غرق «غلوريوس» ومقتل نحو 900 من أفراد طاقمها، فيما نجا 40 فقط، جرى إنقاذهم بعد يومين بواسطة سفينة نرويجية كانت متجهة إلى جزر فارو.
ولم تعلم الأدميرالية البريطانية بالحادث إلا بعد مرور 48 ساعة، عندما بثّت الإذاعة الألمانية خبر غرق الحاملة. وأثار ذلك إحراجًا بالغًا للبحرية الملكية، وطرح تساؤلات حادة في مجلس العموم حول أسباب عدم التدخل.
غير أن التحقيقات اللاحقة أظهرت أن كانينغهام لم يكن يملك هامش مناورة حقيقيًا. ويُروى أنه عرض رسالة الاستغاثة على الملك هاكون نفسه، الذي سأله عن مهمته، فأجابه: «إيصالكم بسلام إلى إنجلترا»،
ورغم فداحة المأساة، لم تُلحق الواقعة ضررًا بمسيرة كانينغهام المهنية. ففي عام 1943، رُقّي إلى رتبة أدميرال، وتولى قيادة جميع سفن الحلفاء في البحر الأبيض المتوسط، حيث أشرف على عمليات إنزال حاسمة، من بينها عملية أنزيو في إيطاليا، ثم إنزال قوات الحلفاء في جنوب فرنسا.
وبعد الحرب، أصبح قائدًا عامًا للبحرية الملكية عام 1946، ثم رُقي إلى رتبة أدميرال الأسطول عام 1948 قبل تقاعده، وحضر لاحقًا تتويج الملكة إليزابيث الثانية عام 1953.
وتعكس الميداليات التي بيعت في المزاد هذا المسار العسكري الطويل، إذ ضمّت أوسمة رفيعة مثل وسام الحمام، ووسام الصليب الأكبر، والوسام الفيكتوري الملكي. وقد شهد المزاد منافسة قوية، انتهت بفوز جامع تحف أمريكي دفع مبلغًا فاق التقديرات الأولية.
وُلد السير جون كانينغهام في غيانا البريطانية عام 1885، وانضم إلى البحرية الملكية طالبًا عسكريًا عام 1900. خدم في الحرب العالمية الأولى ونجا من غرق سفينته بسبب لغم بحري، ثم واصل مسيرته في مناصب بحرية وتعليمية رفيعة، قبل أن يصبح أحد أبرز قادة الأساطيل البريطانية خلال الحرب العالمية الثانية.
وتوفي عام 1962 عن 77 عامًا، تاركًا خلفه إرثًا معقدًا يجمع بين النجاح العسكري وقرارات قاسية فرضتها ظروف الحرب.
aXA6IDQ1LjE0LjIyNS4xMCA=
جزيرة ام اند امز




