الضرائب الرقمية.. ترامب يفتح جبهة حرب تجارية جديدة مع أوروبا

في خطوة مفاجئة، فجّر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أزمة جديدة مع الاتحاد الأوروبي، بعدما هدّد بفرض رسوم جمركية “جوهرية” على الدول التي تفرض ضرائب أو قيودا على شركات التكنولوجيا الأمريكية العملاقة.
وقالت صحيفة “لوموند” الفرنسية، إن التهديد الأمريكي أعاد أجواء التوتر التجاري بين ضفتي الأطلسي، وزاد من قلق الأوروبيين الذين كانوا يعتقدون أنهم نجحوا قبل أيام فقط في تثبيت اتفاق تجاري يضمن لهم قدرا من الاستقرار.
انهيار وهم “الاستقرار التجاري”
قبل أقل من أسبوع، أعلنت المفوضية الأوروبية أنها توصّلت إلى اتفاق مع إدارة ترامب بشأن الرسوم الجمركية، يقضي بفرض رسوم غير متبادلة بنسبة 15% على المنتجات الأوروبية.
وأشارت الصحيفة الفرنسية إلى أنه رغم أن الاتفاق وصفته بروكسل بأنه “غير كامل”، فإن المسؤولين اعتبروه ضروريا لتفادي اندلاع حرب تجارية شاملة، مع وعود بتوفير قدر من “الاستقرار” و”التوقعات الواضحة” للشركات الأوروبية.
لكن هذا الهدوء لم يدم طويلا، ففي 25 أغسطس/آب، أي بعد أربعة أيام فقط من نشر “البيان المشترك” الذي حدد تفاصيل الاتفاق، نشر ترامب رسالة حادة عبر منصته “تروث سوشال”، نسفت كل هذه التطلعات.
تهديد مباشر للأوروبيين
ترامب كتب في رسالته: “سنفرض رسوما جمركية كبيرة على أي دولة تستمر في فرض ضرائب رقمية أو تنظيمات تستهدف التكنولوجيا الأمريكية أو تسعى إلى عرقلتها”.
ورغم أنه لم يذكر الاتحاد الأوروبي بالاسم، فإن الرسالة كانت واضحة في استهداف بروكسل، التي تعد رائدة في محاولات تنظيم الأسواق الرقمية وفرض ضرائب على عائدات الشركات العملاقة.
هذا التهديد أكد صحة تحذيرات خبراء الاقتصاد والسياسة في أوروبا، الذين انتقدوا هشاشة الاتفاق التجاري الأخير مع واشنطن ووصفوه بأنه “اتفاق على ورق يمكن أن يمزّقه ترامب في تغريدة واحدة”، وفقا للصحيفة الفرنسية.
السيادة الرقمية الأوروبية
تأتي الأزمة الجديدة في سياق مساعي الاتحاد الأوروبي لتعزيز ما يُعرف بـ”السيادة الرقمية”. ففي السنوات الأخيرة، فرضت بروكسل قوانين مثل قانون الخدمات الرقمية (DSA) وقانون الأسواق الرقمية (DMA)، إضافة إلى محاولات تطبيق “الضريبة الرقمية” على عائدات شركات التكنولوجيا الأمريكية التي تحقق أرباحا ضخمة داخل السوق الأوروبية دون دفع ضرائب عادلة.
وهذه الإجراءات اعتُبرت في واشنطن استهدافا مباشرا للشركات الأمريكية، بينما تراها أوروبا ضرورة لضمان المنافسة العادلة وحماية بيانات المستخدمين.
انعكاسات سياسية واقتصادية
ورأت الصحيفة الفرنسية أن التهديد الأمريكي يضع الاتحاد الأوروبي في موقف صعب، معتبرة أن التراجع عن الضرائب الرقمية قد يُنظر إليه كهزيمة سياسية أمام إدارة ترامب، بينما الإصرار عليها قد يجرّ القارة العجوز إلى مواجهة تجارية قاسية مع أكبر اقتصاد في العالم.
وتخشى شركات أوروبية، خصوصا في قطاعات السيارات والمنتجات الفاخرة والزراعة، أن تكون أولى الضحايا في حال تنفيذ ترامب لتهديداته.
كما أن هذه التطورات تأتي في وقت تعاني فيه أوروبا من تباطؤ اقتصادي بفعل التضخم، أزمة الطاقة المستمرة، وتداعيات الحرب في أوكرانيا، ما يجعلها أقل قدرة على الدخول في مواجهة تجارية طويلة الأمد مع واشنطن، بحسب الصحيفة الفرنسية.
مستقبل غامض للعلاقات عبر الأطلسي
هذه الأزمة ليست مجرد خلاف اقتصادي، بل تحمل أبعادا سياسية أعمق. فإدارة ترامب ترى في السياسات الأوروبية محاولة لتقييد الهيمنة الأمريكية في المجال الرقمي، بينما يعتبر الاتحاد الأوروبي أن دوره هو حماية مصالح مواطنيه من استغلال الشركات الكبرى.
وبين شد وجذب، تبدو العلاقات عبر الأطلسي مقبلة على مرحلة جديدة من التوتر، قد تمتد تداعياتها إلى ملفات أخرى مثل حلف الناتو، الطاقة، وحتى المفاوضات مع الصين وروسيا.
واعتبرت الصحيفة الفرنسية أنه بخطوة واحدة عبر منشور قصير، أعاد ترامب خلط الأوراق بين أوروبا والولايات المتحدة، مهددا بفتح جبهة جديدة من الصراع التجاري. وبينما يسعى الأوروبيون لتثبيت “السيادة الرقمية”، يبدو أن واشنطن بقيادة ترامب مستعدة لاستخدام أقسى الأسلحة الاقتصادية لحماية شركاتها التكنولوجية العملاقة.
aXA6IDQ1LjE0LjIyNS4xMCA= جزيرة ام اند امز