اسعار واسواق

مطاردة القرش الأحمر.. قصة أخطر تمرد سوفياتي قبل 50 عاما


قبل 50 عاماً، شهدت البحرية السوفياتية واحدة من أخطر حوادث التمرد في تاريخها المعاصر، كانت سببا في انطلاق مطاردة واسعة عبر بحر البلطيق شاركت فيها كل الأصول الجوية والبحرية المتاحة، وكادت – وفق الشهادات اللاحقة – أن تنتهي بكارثة نووية داخلية.

في 8 نوفمبر/تشرين الثاني 1975، وعلى متن الفرقاطة الحديثة «ستوروجيفوي» التابعة لأسطول البلطيق، أطلق الضابط السياسي فاليري ميخايلوفيتش سابلين (36 عاماً) تمرداً غير مسبوق.

وبحسب موقع تايم وور زون، كانت السفينة، وهي من فئة “كريفاك 1″المعروفة لدى الناتو، واحدة من أكثر القطع تقدماً وقتها، ومزودة بصواريخ مضادة للغواصات والدفاع الجوي وطوربيدات ومدافع عيار 76 ملم.

وعلى عكس الصورة التي رسمتها الرواية الأمريكية «القرش الأحمر» لتوم كلانسي – المستوحاة جزئياً من الحادثة – لم يكن سابلين ينوي الانشقاق للغرب، بل كان يخطط لاستعادة «المبادئ الأصيلة» للثورة الشيوعية بعد اعتقاده أن نظام بريغنيف انحرف عن الماركسية.

خطة سابلين

استغل سابلين أجواء الاحتفال بذكرى ثورة 1917 بينما كانت السفينة راسية في مدينة ريغا. ومع وجود ثلث الطاقم في إجازة على اليابسة، سيطر مع بحار شاب يُدعى ألكسندر شين وعدد من المتعاطفين على القائد واحتجزوا الضباط المعترضين.

كان هدفه الأصلي الإبحار إلى لينينغراد والرسو بجوار الطراد التاريخي «أورورا» لإطلاق دعوة لانتفاضة شعبية. لكن الخطة انهارت بعد فرار اثنين من أفراد الطاقم عبر عوامة ربط، وإطلاقهما إنذاراً لم يؤخذ بجدية في البداية.

وعندما أدرك سابلين أن أمره كُشف، غيّر وجهته نحو المياه الدولية لبث رسالة تدعو إلى «ثورة جديدة».

بداية المطاردة

أبحرت «ستوروجيفوي» بصمت راداري وراديوي، ما جعلها بطيئة وضعيفة الملاحة، لكنها نجحت في الخروج إلى خليج ريغا نحو الساعة 2:50 فجراً. ولم تتحرك البحرية السوفياتية على الفور بسبب الانشغال باحتفالات الثورة وما رافقها من إفراط في شرب الكحول.

وبعد 45 دقيقة بدأت المطاردة، وسرعان ما ترجّح لدى القيادة أنها محاولة انشقاق. وأُرسلت زوارق سريعة من ليبايا، وتواصلت زوارق حرس الحدود أولاً مع السفينة وأمرتها بالتوقف. لكن سابلين تجاهل التعليمات، فأُعطيت أوامر بإطلاق النار، ثم ألغي القرار بعد تدخل موسكو.

رسائل مشفرة وذعر في الكرملين

بعث سابلين رسالة مشفرة لقائد البحرية يطالب فيها باعتبار السفينة «أرضاً حرة»، والسماح لها بالبث التليفزيوني والإذاعي، وضمان رسو آمن. ورُفضت المطالب، وطُلب منه العودة.

حاول سابلين بث رسالته على قناة مفتوحة، لكن عامل اللاسلكي استخدم قناة الاتصال المشفرة دون علمه، ففشل في إيصالها.

الفرقاطة السوفياتية ستوروجيفوي

عند الساعة السادسة صباحاً، أُيقظ ليونيد بريجنيف وأبلغ بالأزمة. كان هاجسه الأكبر ألا تقع الفرقاطة المتطورة بيد الغرب، فأصدر أمراً واضحاً بتدمير السفينة بأي ثمن.

اقتراب الكارثة

أُرسلت طائرتان من طراز إليوشن-38 لرصد السفينة وحددتا موقعها نحو الساعة 8:05. ثم صدرت أوامر لقاذفات من طراز تو-16كيه وتو-10 كيه المحملة بصواريخ كيه-10 إس، بعضها برؤوس نووية بالإقلاع من قاعدة «بيخوف».

أقلعت تسع طائرات عند 8:30، وحلقت فوق السفينة وأطلقت نيراناً تحذيرية من مدافع 23 ملم، محاوِلة إجبارها على تغيير مسارها. وبحلول 10:05، كانت «ستوروجيفوي» تتجه غرباً نحو جزيرة جوتلاند السويدية، ما عزز مخاوف القيادة من محاولة انشقاق.

الفرقاطة السوفياتية ستوروجيفوي

زادت الفوضى حين تدخّلت قاذفات من طراز ياك-28 من قاعدة توكومس، فقامت — بخطأ كارثي — بقصف سفينة شحن سوفياتية، ثم استهدفت بالخطأ فرقاطة أخرى من طراز «ريغا» كانت تطارد السفينة المتمردة.

ومع تصاعد حدة الارتباك، جدّدت القيادة أوامرها لطائرات «تو-16» بإطلاق صاروخ، بما في ذلك تفعيل البروتوكول النووي الكامل.

لحظات حاسمة

داخل «ستوروجيفوي»، أدرك أفراد الطاقم أن الهجوم وشيك. بادروا إلى تحرير القبطان وضباط القيادة، الذين اقتحموا الجسر واعتقلوا سابلين بعد إصابته في ساقه، ثم أبلغوا موسكو بانتهاء التمرد.

لكن الخطر لم ينتهِ بعد: فقد كان أحد الطيارين، الكولونيل أرخيب سافينكوف، يستعد لإطلاق صاروخه النووي. وتشير الروايات إلى أنه إمّا لم يتلقَّ أوامر بوقف الهجوم أو تجاهلها، أو أنه رفض عن عمد إطلاق سلاح نووي على سفينة سوفياتية. وبعد دقيقتين مرهقتين من الانتظار، أعلن عن «عطل في الرادار» وأوقف الهجوم، في خطوة يُعتقد أنها أنقذت الوضع من كارثة محققة.

النهاية المأساوية

الفرقاطة السوفياتية ستوروجيفوي

عند الساعة 11:00، وصلت الفرقاطة «كومسوموليتس ليتفي» – رغم تعرضها لقصف بالخطأ – وتمكنت من السيطرة على «ستوروجيفوي». واقتيد الطاقم إلى ريغا للتحقيق، وأُوقف 12 بحاراً بينهم سابلين وشين.

عملت القيادة السوفياتية على إخفاء الحادثة، فدُمرت وثائق كثيرة، لكن تسريبات جاءت لاحقاً – خصوصاً من الاستخبارات السويدية – كشفت أجزاءً معتبرة من القصة.

حُكم على شين بالسجن، فيما أُعدم سابلين بتهمة الخيانة في أغسطس/ آب 1976، وأُطلق سراح بقية المشاركين لاحقاً.

إرث الحادثة

بعد نصف قرن، بات واضحاً أن خطة سابلين كانت محكومة بالفشل منذ لحظتها الأولى، لكنها وضعت الاتحاد السوفياتي على حافة كارثة نووية ذاتية، إذ لم تفصله عن إطلاق صاروخ نووي على سفينته سوى دقائق معدودة.

أما الكولونيل سافينكوف، الذي يُعتقد أنه منع الكارثة، فقد عاش بقية حياته داخل المؤسسة العسكرية وهو موضع شك دائم — في مفارقة تجسد طبيعة الحقبة السوفياتية ذاتها.

aXA6IDQ1LjE0LjIyNS4xMCA= جزيرة ام اند امز NL

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى