«دي إف-27».. صاروخ صيني يعيد تشكيل موازين القوى بالمحيط الهادئ

أثار صاروخ دي إف-27 الصيني الباليستي المضاد للسفن، الذي كُشف عن مداه في التقرير السنوي لوزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) إلى الكونغرس، نقاشًا استراتيجيًا حول مستقبل موازين القوى في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
ووفقًا للتقرير الذي اطلعت عليه مجلة «ناشيونال إنترست»، يبلغ المدى الأقصى للصاروخ نحو 8 آلاف كيلومتر، وهو ما يضع أهدافًا أمريكية بالغة الأهمية، مثل قاعدة بيرل هاربر في هاواي، بل وأجزاء من الساحل الغربي للولايات المتحدة، ضمن نطاق التهديد المحتمل.
ورغم عدم إفراد التقرير الأمريكي للصاروخ سوى إشارة عابرة، لكن دلالاته الاستراتيجية عميقة. فالقدرة على استهداف سفن حربية وحاملات طائرات على مسافات عابرة للقارات تمثل تتويجًا لتوجه صيني طويل الأمد يقوم على تحويل الصواريخ بعيدة المدى إلى امتداد افتراضي للقوة البحرية، في إطار ما يُعرف باستراتيجية «أسطول الحصون».
وتقوم هذه الاستراتيجية على فرض مناطق حظر بحرية واسعة انطلاقًا من البر، دون الحاجة إلى تعريض الأسطول البحري لمخاطر الاشتباك المباشر في أعالي البحار.
وينقسم المحللون العسكريون في تقييمهم لخطورة دي إف-27 بين رؤيتين متباينتين واحدة متفائلة وأخرى متشائمة:
الرؤية المتفائلة تشكك في فعاليته عند أقصى مدى معلن، مشيرة إلى التحديات التقنية الكبيرة المرتبطة بتتبع أهداف بحرية متحركة عبر مسافات شاسعة، وإلى الفارق المعروف بين «المدى الأقصى» و«المدى الفعال» لأي منظومة تسليح.
كما تعوّل هذه الرؤية على تطور أنظمة الدفاع الصاروخي الأمريكية، لا سيما تلك المنتشرة على متن المدمرات الحديثة من فئة «أرلي بيرك» الجيل الثالث، المزودة برادار سباي-6 المتقدم، والذي يُفترض أن يعزز القدرة على اعتراض الصواريخ الباليستية والمسيّرات والتهديدات الجوية المعقدة.
وتضيف هذه المقاربة أن التكلفة الباهظة لصاروخ بهذه المواصفات، إلى جانب متطلبات منظومة الاستشعار والتوجيه العابرة للقارات، قد تحد من قدرة الصين على إنتاجه بأعداد كافية لخلق ردع فعّال بعيدًا عن سواحلها.
في المقابل، ترى الرؤية المتشائمة أن دي إف-27، حتى وإن لم يكن دقيقًا تمامًا عند أقصى مدى، يُحدث تغييرًا جوهريًا في البيئة الاستراتيجية. فمجرد امتلاك الصين القدرة على تهديد القواعد البحرية الأمريكية الأمامية وقوات المهام المنتشرة في مساحات واسعة من المحيط الهادئ يفرض قيودًا ثقيلة على حرية الحركة الأمريكية.
ويستحضر هذا السيناريو مقارنة تاريخية مع هجوم بيرل هاربر عام 1941، متسائلًا: كيف كان سيتغير مسار الحرب العالمية الثانية لو امتلكت اليابان آنذاك القدرة على توجيه ضربات بعيدة المدى دون تحمل أعباء لوجستية ومخاطر بحرية جسيمة؟

وتبرز هنا حالة وسطية أكثر ترجيحًا، لا تفترض قدرة الصين على توجيه «ضربة قاضية» شاملة، لكنها تمنحها وسيلة فعالة لإلحاق أضرار جسيمة بقوات المهام البحرية الأمريكية في غرب المحيط الهادئ.
وفي هذا السياق، يكفي للصاروخ أن يمتلك مدىً فعالًا بنحو 5 آلاف كيلومتر – وهو الحد الأدنى لتقديرات البنتاغون – ليوسّع نطاق استراتيجية «أسطول الحصون» التي بدأت بكين تطبيقها منذ سنوات عبر صواريخ دي إف-21دي ودي إف-26 ذات المدى الأقصر.
في هذا الإطار، لا يُنظر إلى دي إف-27 بوصفه ابتكارًا ثوريًا بقدر ما هو تتويج لتطور تدريجي في أدوات القوة البحرية، يعزز قدرة الصين على تعويض بعض أوجه القصور التقليدية في أسطولها مقارنة بالبحرية الأمريكية.
ويراهن الاستراتيجيون الصينيون على أن صاروخ دي إف-27، سواء ثبتت مزاعم مداه الكامل أم لا، فإنه يفتح فصلًا جديدًا من التنافس الاستراتيجي في المحيط الهادئ، حيث تصبح الصواريخ البرية لاعبًا بحريًا رئيسيًا، وتُعاد صياغة مفاهيم الردع والسيطرة البحرية في القرن الحادي والعشرين.
aXA6IDQ1LjE0LjIyNS4xMCA=
جزيرة ام اند امز




