الحرب الصينية اليابانية الثانية.. صراع أعاد تشكيل شرق آسيا

كانت الحرب الصينية اليابانية الثانية (1937-1945) – المعروفة أيضًا باسم “حرب الثماني سنوات” في الصين – أحد أعنف نزاعات القرن العشرين.
وأودت الحرب بحياة ما يُقدَّر بـ20 مليون صيني بخلاف ضحايا اليابان، وأحدثت تغييرا جذريًا في التوازن السياسي والاجتماعي في شرق آسيا.
وبحسب موقع “ذا كولكتور” المعني بالتاريخ، لم تقتصر خسائر الحرب على الأرواح البشرية فحسب، بل أعادت تشكيل الحدود والأنظمة السياسية، وكان جزءا من الحرب العالمية الثانية كجبهة آسيوية رئيسية.
وحتى اليوم، تظل فظائعها مثل مذبحة نانجينغ مصدر توتر دبلوماسي بين بكين وطوكيو، حيث تتهم الصين اليابان بمحاولات التقليل من شأن “الإبادة الجماعية”، بينما تطالب طوكيو بمزيد من “التوازن التاريخي”.
جذور النزاع
وتعود جذور الصراع إلى أوائل القرنين التاسع عشر والعشرين، حيث شهدت اليابان “ثورة ميجي” (1868) تحولًا جذريًا من عزلة إقطاعية إلى قوة صناعية عسكرية حديثة، مستوحاة من الغرب.
في المقابل، كانت الصين تعاني من ضعف سلالة تشينغ، وصراعات داخلية مثل ثورة تايبينغ (1850-1864)، وتدخلات أجنبية كحروب الأفيون. وهو ما أدى إلى طموحات يابانية توسعية، بلغت ذروتها في الحرب الصينية اليابانية الأولى (1894-1895).
كان هذا الصراع القصير انتصارًا ساحقًا للجيش الياباني المُجهز بأحدث الأسلحة الأوروبية، مقابل قوات تشينغ التقليدية.
انتهت الحرب الأولى بمعاهدة شيمونوسيكي (1895)، حيث منحت اليابان تايوان، وجزر بيسكادور، وتعويضات مالية هائلة (200 مليون ين)، بالإضافة إلى نفوذ في كوريا، مما أثار غضبًا صينيًا واسعًا ومهَّد لثورة 1911 التي أطاحت بالإمبراطورية.
الشرارة المتفجرة
تصاعد التوتر في عشرينيات القرن العشرين مع نفوذ اليابان في منشوريا الغنية بالموارد. وفي 18 سبتمبر/ أيلول 1931، وقعت “حادثة موكدين” قرب شنيانغ (مقاطعة ليونينغ حاليًا)، حيث انفجر جزء من خط سكة حديد جنوب منشوريا الذي تديره اليابان.
وتؤكد أدلة تاريخية حديثة، مثل اعترافات ضباط سابقين، أن جيش كوانتونغ نفذ التفجير كـ”حادث زائف “لتبرير الغزو”، لتسيطر القوات اليابانية على المدينة خلال ساعات، ثم على منشوريا كلها بحلول 1932، معلنة دولة مانشوكو كدولة تابعة.
الشرارة النهائية جاءت في 7 يوليو/ تموز 1937 بحادثة جسر ماركو بولو (لوانغشيا جو) غرب بكين، حيث أبلغت القوات اليابانية عن فقدان جندي أثناء مناورات، وطالبت بتفتيش بلدة وانبينغ الصينية، لكن الرفض أدى إلى تبادل إطلاق نار تحول إلى حرب شاملة، مع سقوط آلاف في أسابيع.
الرد الصيني الموحد
أدت الغزوات إلى توحيد الخصوم الداخليين: الكومينتانغ القومي بقيادة تشيانغ كاي شيك والحزب الشيوعي بقيادة ماو تسي تونغ في “الجبهة الموحدة الثانية” (1937).
اعتمد تشيانغ استراتيجية “الانسحاب المنظم”، متخليًا عن بكين ونانجينغ لكسب وقت في تجميع الموارد من الخارج. أما الشيوعيون، فقادوا حركة مقاومة شعبية في الشمال، مستخدمين تكتيكات حرب العصابات مثل “الضرب والفر”، مما زاد شعبيتهم بين الفلاحين.
الدعم الدولي

وعلى عكس الحرب الأولى، أثارت الثانية إدانة دولية. فوقّع الاتحاد السوفياتي معاهدة عدم اعتداء (1937) مع الصين وأرسل 3665 طائرة ومستشارين عسكريين. فيما غيَّرت أمريكا سياستها خلال إدارة روزفلت، مقدمة مساعدات بـ1.5 مليار دولار عبر “الإعارة والتأجير” (1941)، ودعمت “النمور الطائرة” – مجموعة من 99 طيارًا أمريكيًا بقيادة كلير تشينولت – التي أسقطت 296 طائرة يابانية مقابل خسارة 14 فقط.
سلسلة معارك دامية
ودارت المعارك الرئيسية بين 1937-1945: وتحقق انتصار ياباني في شنغهاي (أغسطس/ آب-نوفمبر/ تشرين الثاني 1937، 250 ألف قتيل)، شوتشو (مايو/ أيار 1938)، ومعركة ووهان (1938، أكبر معركة برية حتى ذلك الحين). وشن الشيوعيون “هجوم المئة فوج” (1940) لتدمير السكك اليابانية، لكن الرد كان قاسيًا بمجازر جماعية.

ذروة الوحشية جاءت في مذبحة نانجينغ (ديسمبر/ كانون الأول 1937- يناير/ كانون الثاني 1938)، حيث اقتحم الجيش الياباني المدينة، قاتلاً 200-300 ألف مدني وأسير، واغتصب عشرات الآلاف، وفقًا لتقارير “لجنة دولية للسلامة”.
واعتمدت اليابان “سياسة الأرض المحروقة” في الشمال الشرقي، محرقة قرى ومسببة مجاعات قتلت الملايين.
نقطة التحول
شكّلت عملية إيتشي-غو عام 1944 أكبر هجوم ياباني في الحرب، وهدفت إلى السيطرة على جنوب الصين وقطع طرق الإمداد. إلا أن اتساع رقعة العمليات أضعف خطوط الإمداد اليابانية، ما أتاح للقوات الصينية، بدعم من الحلفاء، شن هجمات مضادة ناجحة أواخر 1944 وخلال 1945.
وجاءت الضربة القاضية مع إلقاء الولايات المتحدة القنابل الذرية على هيروشيما وناغازاكي، ودخول الاتحاد السوفياتي الحرب ضد اليابان في منشوريا. وفي 2 سبتمبر/أيلول 1945، انتهت الحرب الصينية-اليابانية الثانية رسميًا باستسلام اليابان.
إرث ثقيل
ورغم نهاية الحرب، لم تنعم الصين بالاستقرار طويلًا، إذ اندلعت الحرب الأهلية بين القوميين والشيوعيين، وانتهت بإعلان قيام جمهورية الصين الشعبية عام 1949. أما على المستوى الإقليمي، فقد تركت الحرب جراحًا عميقة في شرق آسيا، ولا تزال ذاكرتها تؤثر في العلاقات الصينية-اليابانية المعاصرة، في ظل صراع مستمر بين محاولات المصالحة وظلال الماضي الدامي.
aXA6IDQ1LjE0LjIyNS4xMCA=
جزيرة ام اند امز




